أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

77

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

عطف على ما قبله من الأمر بالاستغفار . و « ثُمَّ » على بابها من التراخي ، لأنه يستغفر أولا ثم يتوب ويتجرد من ذلك الذنب المستغفر منه . قال الزمخشري : فان قلت : ما معنى « ثُمَّ » في قوله : « ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ » ؟ قلت : معناه استغفروه من الشرك ، ثم ارجعوا إليه بالطاعة . أو استغفروا ، والاستغفار توبة ، ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها كقوله تعالى : ثُمَّ اسْتَقامُوا * قلت : قوله : أو استغفروا إلى آخره ، يعني : أن بعضهم جعل الاستغفار والتوبة بمعنى واحد فلذلك احتاج إلى تأويل « تُوبُوا » بأخلصوا التوبة . قوله : يُمَتِّعْكُمْ جواب الأمر . وقد تقدم « 2 » الخلاف في الجازم ، هل هو نفس الجملة الطلبية ، أو حرف شرط مقدر . وقرأ الحسن وابن هرمز وزيد بن علي وابن محيصن « يمتعكم » بالتخفيف من « أمتع » وقد تقدم أن نافعا وابن عامر قرآ « فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا » في البقرة بالتخفيف كهذه القراءة . قوله : مَتاعاً في نصبه وجهان : أحدهما : أنه منصوب على المصدر بحذف الزوائد ، إذ التقدير : تمتيعا فهو كقوله : أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً . والثاني : أن ينتصب على المفعول به ، والمراد بالمتاع : اسم ما يتمتع به فهو كقولك : متعت زيدا ثوبا . قوله : كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ كلّ : مفعول أول و « فَضْلَهُ » مفعول ثان . وقد تقدم للسهيلي خلاف في ذلك . والضمير في « فضله » يجوز أن يعود على اللّه تعالى : أي : يعطي كل صاحب فضل فضله أي : ثوابه ، وأن يعود على لفظ « كُلَّ » أي : يعطي كل صاحب فضل جزاء فضله لا يبخس منه شيئا أي : جزاء عمله . قوله : وَإِنْ تَوَلَّوْا قرأ الجمهور : « تَوَلَّوْا » بفتح التاء والواو واللام المشددة وفيها احتمالان . أحدهما : أن الفعل ، المضارع « تتولّى » وحذفت منه إحدى التاءين ، تخفيفا نحو تَنَزَّلُ * « 3 » وقد تقدم أيتهما المحذوفة . وهذا هو الظاهر ، ولذلك جاء الخطاب في قوله : « عَلَيْكُمْ » . والثاني : أنه فعل ماض مسند لضمير الغائبين ، وجاء الخطاب على إضمار القول أي : فقل لهم إني أخاف عليكم ، ولولا ذلك لكان التركيب فإني أخاف عليهم . وقرأ اليماني وعيسى بن عمر : تولّوا بضم التاء وفتح الواو ، وضم اللام وهو مضارع ولّي كقولك : زكّي يزكى . ونقل صاحب اللوامح عن اليماني وعيسى « وَإِنْ تَوَلَّوْا » بثلاث ضمات مبنيا للمفعول . قلت : ولم يبين ما هو ولا تصريفه وهو فعل ماض . ولما بنى للمفعول ضم أوله على الفاعل ، وضم ثانيه أيضا ، لأنه مفتتح بتاء مطاوعة وكلما افتتح بتاء مطاوعة ضم أوله وثانيه وضمت اللام أيضا ، وإن كان أصلها الكسر لأجل واو الضمير والأصل : تولّيوا نحو : تدحرجوا ، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت بالتقاء ساكنين فحذفت الياء ، لأنها أولهما فبقي ما قبل واو الضمير مكسورا فضم ليجانس الضمير فصار وزنه « تفعوا » بحذف لامه والواو قائمة مقام الفاعل . وقرأ الأعرج « تولوا » بضم التاء وسكون الواو وضم اللام مضارع « أولى » وهذه القراءة لا يظهر لها معنى طائل هنا ، والمفعول محذوف يقدر لائقا بالمعنى و « كَبِيرٍ » صفة ل « يَوْمٍ » مبالغة لما يقع فيه من الأهوال . وقيل : بل « كَبِيرٍ » صفة ل « عَذابَ » فهو منصوب ، وإنما خفض على الجوار كقولهم : « هذا جحر ضبّ خرب » بجر « خرب » وهو صفة ل « حجر » وقول امرئ القيس : ( 1 ) سورة محمد ، آية : ( 4 ) .

--> ( 2 ) أنظر سورة البقرة ، آية : ( 40 ) . ( 3 ) أنظر سورة البقرة ، آية : ( 85 ) .